الرئيسية » جميع الاقسام » مقالات » مقالات عربية » حرب الناقلات.. الى اين يقود ترامب المنطقة والعالم؟ عطوان يتحدث ..

حرب الناقلات.. الى اين يقود ترامب المنطقة والعالم؟ عطوان يتحدث .. 

اذا كانت الحرب لم تندلع في منطقة الخليج، فماذا نسمي تعرض ست ناقلات نفط عملاقة الى هجومين، وفي خليج عُمان في اقل من شهر، وفي المكان نفسه، وضرب صاروخ باليستي اطلقته حركة “انصار الله” الحوثية وحلفاؤها مطار ابها الدولي واصابة 26 مسافرا، حسب البيان السعودي الرسمي؟
نتائج التحقيقات التي شاركت فيها دول عظمى مثل أمريكا وبريطانيا الى جانب كل من دولتي الامارات والسعودية حول تفجير اربع ناقلات قبالة ميناء الفجيرة، لن تظهر حتى الآن، وهناك محاولة متعمدة للتكتم عليها، وربما لإظهارها في الوقت المناسب، ولم يتم توجيه أي اتهام مقترنا بالأدلة الى ايران التي حملها جون بولتون مسؤولية الهجوم.
عندما يصف السيد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، هجوم فجر اليوم على الناقلتين العملاقتين بأنه “مريب” ومثير للشبهات، فهذا التوصيف ينطوي على الكثير من المنطق، فلماذا تهاجم ايران او حلفاؤها ناقلتين تحملان نفطا الى اليابان في وقت يتواجد رئيس وزرائها شينزو آبي في طهران، ويلتقي المرشد العام السيد علي خامنئي والرئيس حسن روحاني في اطار وساطة لتخفيف التوتر بين ايران وامريكا ومنع اندلاع الحرب؟
***
عندما اندلعت حرب الناقلات بين ايران وامريكا في الأعوام الثلاثة الأخيرة من الحرب العراقية الإيرانية (في الفترة بين 1985 الى 1988) لم تتردد القيادة الإيرانية في الاعتراف علنا بأنها زرعت الغاما بحرية وهاجمت سفنا مدنية وعسكرية في منطقة الخليج، بل ووصلت هذه الألغام الى البحر الأحمر وقناة السويس، وعندما هاجم حلفاؤها الحوثيون مطارات جدة والرياض وابها، ومضخات النفط غرب الرياض لم يترددوا لحظة في اعلان مسؤوليتهم عن هذه الهجمات سواء كانت بصواريخ باليستية او بطائرات مسيرة ملغمة.
هل تزامن هجوم اليوم مع زيارة رئيس الوزراء الياباني لطهران يأتي في إطار الضغط الأمريكي على القيادة الإيرانية لقبول العرض الأمريكي بالعودة الى مائدة المفاوضات بدون شروط بعد ان طال انتظار ترامب بالقرب من هاتف البيت الأبيض لمكالمة روحاني دون جدوى؟
الإيرانيون لا ينسون الاعتداءات عليهم أيا كانت مصادرها، ويكفي ان نضرب 4 امثال:
الأول: في عام 1988 وقبل انتهاء الحرب الإيرانية العراقية بشهر تقريبا، قامت البارجة الحربية “اس. اس. فينسون” بإطلاق صاروخ على طائرة ركاب مدنية إيرانية مما أدى الى مقتل 300 من ركابها وطاقمها، وتناثرت اشلاؤهم فوق مياه الخليج، وبعد بضعة أعوام، وبالتحديد في عام 2000 قامت خلية انتحارية، قيل انها تابعة لتنظيم “القاعدة”، باستهداف هذه البارجة بالذات وتفجيرها في ميناء عدن ومقتل 17 من بحارتها.
الثاني: تفجير طائرة “بان امريكان” فوق لوكربي عام 1088، وتردد ان مجموعة فدائية فلسطينية مقربة من ايران هي التي نفذت هذا التفجير، انتقاما لمقتل 300 من ركاب الطائرة الإيرانية من طراز “ايرباص”، وقد التقيت عبد الباسط المقرحي، المتهم الأول المدان بالتورط في هذا التفجير في سجنه في مدينة غلاسكو الاسكتلندية، وقبل وفاته بمرض السرطان الذي انتشر في جسمه بأسابيع معدودة، واكد لي انه ليس له علاقة بالحادث مطلقا، وانه جرى تقديمه ككبش فداء، وبكى بكاء حارا لم ار مثله في حياتي، واكد لي الشيء نفسه السيد عبد الرحمن شلقم، وزير خارجية ليبيا الأسبق، الذي كان يقود ملف المفاوضات والتعويضات التي بلغت 2.8 مليار دولار.
الثالث: تفجير مقر المارينز في بيروت عام 1983، ومقتل حوالي 240 بحارا أمريكيا في عملية نفذتها خلية استشهادية تابعة لحزب الله، وهي العملية التي أجبرت القيادة الامريكية على الهرب من لبنان.
الرابع: هجوم بشاحنة مفخخة على مقر للقوات الامريكية في الظهران، شرق المملكة العربية السعودية، ومقتل 20 جنديا أمريكيا عام 1996، وتردد ان الشاحنة جاءت من لبنان، وان المنفذ “حز بالله” السعودي، وان الشاحنة جرى تفخيخها في الضاحية الجنوبية، حسب التحقيقات السعودية الرسمية، وتردد ان العقل المدبر كان يتردد على طهران، وجرى اعتقاله في بيروت وخطفه الى الرياض.
سرد هذه الأمثلة الثلاثة لا يعني القول بأن ايران وحلفاءها يقفون خلف التفجيرات الأخيرة في خليج عُمان، ولكننا لا نستبعد ان تقوم قيادة الحرس الثوري الإيراني، التي هددت بوقف تصدير 18 مليون برميل يوميا عبر مضيق هرمز اذا جرى تطبيق العقوبات الامريكية الخانقة التي ترمي الى سياسة صفر صادرات نفطية إيرانية، بالدفاع عن نفسها وبلدها، وتنفيذ تهديداتها هذه بشكل او بآخر فقطع الصادرات من قطع الاعناق.
يصعب علينا التنبؤ برد الفعل الأمريكي على هذه الهجمات التي أدت الى ارتفاع أسعار برميل النفط اليوم بنسبة 4 بالمئة، وكل ما صدر عن البيت الأبيض هو القول بأن الرئيس ترامب احيط علما بالموضع، والاجهزة الامريكية تقوم بالمتابعة وجمع المعلومات.
لا نعرف حتى متى يمكن ان تستمر هذه المتابعة وعملية جمع المعلومات، ولكننا نعرف ومن تجارب سابقة، وموثقة، ان أمريكا، او بعض حلفائها، قد يكونوا خلف الهجومين على الناقلات لاستخدامها كذريعة لتبرير أي حرب قادمة ضد ايران، ولن يكون مفاجئا بالنسبة الينا اذا كان هناك دور للمخابرات الامريكية والإسرائيلية لفبركتها، وهذا ما يفسر عدم اعلان نتائج التحقيقات في هجوم الفجيرة الذي مر عليه اكثر من ستة أسابيع.
وصول الصواريخ والطائرات المسيرة الحوثية الى مطار ابها وانبوب النفط العملاق غرب الرياض واحداث اضرار كبيرة في الحالين، هو انقلاب في كل موازين القوى ومعادلاتها في المنطقة، ومجرد “فاتح شهية” للطبق الرئيسي الذي ربما يكون مفاجئا للكثيرين.
***
الرئيس ترامب شخصيا يتحمل مسؤولية تصعيد التوتر الراهن في منطقة الخليج، مثلما يتحمل حلفاؤه في السعودية والامارات مسؤولية الحرب الدائرة في اليمن، لانه اخطأ في الحسابات عندما اعتقد ان الإيرانيين لقمة سائغة، يمكن ان يرهبهم بإرسال حاملة طائرات وبضعة قاذفات عملاقة، تماما مثلما اخطأ حلفاؤه في حرب اليمن في معرفة الحوثيين، واساءوا تقدير قدراتهم.
شاهدنا الصواريخ والطائرات المسيرة الحوثية، وشاهدنا قبلها صواريخ حماس والجهاد الإسلامي التي وصلت الى تل ابيب، وارسلت ثلاثة ملايين مستوطن الى الملاجئ في الحروب الأخيرة على غزة، ولكننا لم نشاهد الصواريخ الباليستية الدقيقة التي يملك “حزب الله” عشرات، بل ربما مئات الآلاف منها، وهي حتما ستظهر قريبا اذا تطورت هذه التحرشات النفطية في الخليج الى حرب شاملة.
السيد ظريف صاحب الابتسامة الشهيرة التي تنطوي على خبث ودهاء لا يمكن تجاهلهما، قال كلمة على درجة كبيرة من الأهمية، وهي “ان أمريكا يمكن ان تبدأ الحرب، ولكن الايرانيين وحلفاءهم هم الذين يملكون قرار انهائها، وبالطريقة التي يريدونها”.
التوتر يتصاعد، وحربا المطارات والناقلات بدأتا، بشكل واضح للعيان، والحرب المقبلة لن تكون طريقا باتجاه واحد، واذا كانت الحرب العراقية الإيرانية كلفت تريليون دولار، وبلغت خسائر امريكا من جراء احتلال العراق سبعة تريليونات دولار.. ترى كم ستكون تكاليف الحرب المقبلة التي قد تغير شكل المنطقة وخريطتها الجغرافية والسياسية؟
نترك الامر للرئيس ترامب ومساعديه “الصقور”، مثل جون بولتون ومايك بومبيو، الإجابة على هذا السؤال، وكل ما يتفرع عنه من اسئلة.

عبد الباري عطوان

يحدث الان